عدد‌:
27
تأریخ‌:
30/01/2014
دراسات
الأهمية البالغة للمعايشة الودية بين اتباع الديانات والمذاهب

نرمين عثمان


عنوان البحث:

( الأهمية البالغة للمعايشة الودية بين اتباع الديانات والمذاهب على صعيد العراق عبر الاعتراف المتبادل بالحقوق الدينية والمذهبية لكل فرد )

 


المقدمة :

مما لا شك فيه ان للأديان دور هام في تامين الحياة الأمنة والاستقرار في العالم، ففلسفة كافة الاديان هي المناداة بالسلام والمحبة والتعايش السلمي بين البشر، ورسل هذه الاديان هم خير من مثلها وعبر عن اهدافها الانسانية المؤثرة في التاريخ البشري ، واصبحت لهذه الاديان القدوة الحسنة في مراحل التطورات التاريخية للانسانية ، ورافقت التغيرات الجذرية لمراحل التطور فكانت من العوامل الرئيسية المٶثرة على مجريات التغيرات البشرية في مراحل مختلفة ،ان اختلاف التعبير عن فلسفة الأديان او طريقة ايصالها الى البشرية لا يمحو اهدافها السمحاء والتي تتمحور حول اهمية الانسان والدعوة الى التعايش الودي السلمي بين الأفراد والمجتمعات ونحن أذ نتعايش في العراق كخليط ممتزج من اديان مختلفة فأن جميع هذه الأديان انما لها قاسم مشترك روحي وهو الأيمان بالله الواحد وان جميعها تحترم المشاعر الأنسانية وتقدر الفرد وتنكر اهانة وفرض حالات القسر والأكراه والغائه وتسعى كل هذه الأديان للخير والأعمال الصالحة وتنادي بالتسامح والمحبة بين الكل دون تمييز وهي بذاك تعبر عن الجوهر الحقيقي لفلسفة تلك الأديان في احترام الانسان وأحترام عقيدته الدينية وحريته في اعتناق ما يؤمن به .

ان للأديان في المجتمع العراقي حاله كحال المجتمعات الشرقية والعالمية دور بارز في رسم وتحديد اخلاقيات الأفراد وسلوكياتهم وعلاقاتهم وأذا اقرنا بوجود القاسم المشترك بينها فأنه لابد وان يكون هناك أيضآ أرضية مشتركة لتعميمها ، فالأديان ليست حالة مطلقة لتحديد الضوابط الأيمانية والتعبدية بل تتعداها الى الضوابط الأخلاقية والاجتماعية العامة بما يدعو الى نشر روح المحبة والتعايش وقبول الأخر والايمان بحرية العقيدة الدينية وجاء في بعض الكتب المقدسة ما يؤكد هذه الأهداف وهي بذاك تعبر عن الحالة الروحية النفسية لكافة الأديان الأخرى فجاء بالقران الكريم ( يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ..

وجاء في الكتاب المقدس عند اليهودية والمسيحية ( لايحسن ان يكون الأنسان وحده ، فأصنع عونا بأزائه ) .

اذا فهذا هو جوهر الأديان ورسالتها ويفترض ان ينصاع اتباعها لنصوصها السمحاء فتخصب الأرضية المشتركة بتلك الأهداف النبيلة التي ستؤدي الى خلق جو للتعايش الودي والأحترام المتبادل وسكون المجتمع الى السلام والطمأنينة وراحة الافراد ، ولكن ما واجهنا وللأسف بعد سقوط النظام  2003 هو مغاير كليا الى روحية تلك المبائ السمحاء وانقلبت الحالة الى الوضع السيء المسير من قبل المتطرفين واتباعهم الجاهلين عن جوهر الروحية التسامحية للأديان المشتركة فتعرضت العديد من الأقليات الدينية في العراق من المسيحين والصابئة المندائين والايزيديين إلی العديد من الهجمات الأرهابية اثارت الرعب والخوف بين ابنائها وبين ابناء المجتمع العراقي بكل اطيافه ومعتقداته ، وادت الى ما ادت اليه من الهجرة والهروب القسري من مناطق السكن الأصلية والتعرض احيانا الى الإبادة المنظمة وقتل رموزها الدينية وتدمير دور العبادة وغيرها من الاعمال الأجرامية بحقهم ، ولم تشمل تلك الحالة هذه الاطياف فقط بل وتعداها الى صراع وقتال مؤسف داخل المذاهب من دين واحد وهو ما حصل بين المتطرفين من اهل السنة والشيعة واثروا على الحياة العامة  و وصل الحال الى قلق ورعب منتشر في معظم مناطق العراق وانتقل القتال التقليدي الذي تشنه الأنظمة المتعاقبة على الهوية القومية الى قتال الأديان والمذاهب وتصفية اتباعه ، ان الحالة هذه تستوجب بذل الجهود لخلق حالة من الوعي بين افراد المجتمع العراقي تقوده الى الاحترام والود المتبادل بين الاديان كافة وهذا يؤدي الى محاربة التعصب الديني والتمييز القائم على اساس الدين والمذهب ونرسخ بذلك مفهوم عملي للعملية الديمقراطية التي تسكن في ظلالها كل الحريات بما فيهاالحريات الدينية والمذهبية والمدنية 


•   تواجد الاديان والمذاهب في العراق وما آلت اليه الظروف :

من المعلوم ان هناك نسيج ديني ومذهبي متنوع في العراق وحسب دراسات التعداد السكاني لعام 1977 فأن المسلمين شکلوا 97% من السكان والمسيحين 2.14% والصابئة كان عددهم ١٦ الف نسمة واليهود حوالي ٤٠٠ نسمة و الايزيديين 100 الف نسمة وفي الواقع فان المذاهب الموجودة في العراق هي :

 الاسلام ،المسيحية ،اليهودية،الصابئة المندائية،اليزيدية،الكاكائية أما البابية و البهائية فهما متارجحتان بين الدين والمذهب وأما المذاهب المعروفة فهي ( السنة والشيعة ، الكاثوليك والأرثدوكس والبروستات و النصارى ) .

لقد عاشت على مر السنين هذه التركيبة المختلطة من الاديان والمذاهب متقاربة ومتباعدة احيانا إلا إن جميعها حافظت على قدر من الاحترام الضروري والاعتراف المتبادل لا سيما من خلال التعايش المشترك الانساني ،ولم تسعی الأغلبية الى اقصاء الأخرين ولم تخضع الأقلية الى الأنصياع والخضوع بل كان ذلك التنوع مصدراً غنى للمجتمع وبغض النظر عن التوترات السياسية واحيانا القومية فلم يكن هناك صراعاً دينيا ومذهبيا بل ان خط التعايش كان الأوثق والمشترك الانساني كان السائد الا ان هذا المشترك قد تبدل وللأسف وبشكل موازٍ لموجة العنف التي اجتاحت العراق بعد 2003 ، كان لأتباع الديانات الأخرى غير الأسلامية نصيب الاسد من تلك الموجة الموجهة ولا ينكر انها شملت  أيضآهوية المذهب فسقط االكثير من الابرياء ضحايا لمنهج العنف الذي سن وشرع وطبقها المتطرفون والمستفيدون من اتباع المذاهب ويخصنا بالذكر المذهبين السني والشيعي إلا ان حجم الأضرار والمخاوف من طمس الواقع الديني قد شمل الاديان غير الأسلامية وهو ما أثر على روح التسامح والمودة الذي كان سائدا وكان له دوراً على مر العصور في الحفاظ على الشعور الانساني المتبادل والأعتراف بالأخر وضمان حرية الأفراد والأديان مما كان له الأثر الأكبر على وضعية الأستقرار الداخلي والطمأنينة والسلام لدى المواطن بمختلف اطيافه ولا نريد هنا ان نحصي حجم الاضرار الجسدية والمعنوية والمادية لما تعرض له اتباع الديانات والمذاهب المختلفة بالعراق فالوقائع اليومية التي عشناها من تفجير وتدمير اماكن العبادة المقدسة والقتل العشوائي على المذهب  و الدين إنما كفيلة لسرد حجم المأساة.

ونرى ان هناك خللاً أجتماعياً وحكومياً جديداً قد هيأ شرخ في الجدار المتين الذي تميز به المجتمع العراقي المتنوع دينيا ً على مر التأريخ وهو جدار التعايش والمودة المتبادلة فالمجتمع بمذاهبه واديانه قد خرق من قبل اصحاب الأفكار المتشددة من كافة الأطراف التي هدمت تلك المعايشة التأريخية الى حالة صراع مستديم ستبقى اثارها وللأسف الى زمن غير معلوم و الحكومة وقفت في كثير من الأحيان دون اداء  دورها القيادي والقانوني داخل هذه الفوضى فكان لها ايضا  نصيب من الحالة المزرية التي وصلنا اليها فواقع الحكومة مقسمة على تلك التوزيعات الطائفية وهي عاجزة عن اداء دورها كقاسم مشترك بين الكل وبالذات تقيدها بالتوزيع الجغرافي المذهبي فهذا هو الواقع ولا يمكن تجاهله عبر التصريحات الأعلامية الرنانة وخطب الاماكن المقدسة فلقد اضعنا الشيء الكثير من ذلك الاحساس بالتعايش السلمي والمودة المتبادلة وللاسف هناك حرب علنية ومخفية بين اتباع المذاهب والديانات ويحذف من هذه الحالة أصحاب الافكار المدنية المتمسكين بالقيم الديمقراطية وكذلك اهل الاعتدال والمنطق من اتباع الديانات والمذاهب ، في الواقع نحن امام صورة ضبابية في العلاقات التي تسود الفرقاء في الحكم وفي داخل المجتمع وان كانوا ضمن المذهب او الطائفة الواحدة ، نحن من يعيش هذا الوضع السئ و يدفع ثمنها ونحن اولى بحلها عبر الأحترام المتبادل والتعايش السلمي واحترام حرية الاديان والتعبير عنها في اطار اجتماعي ضمن دستور شامل ضامن لكل الحقوق .

 

•   الحقوق الدينية ضمن الدستور العراقي:.

تسير حياة المجتمعات الحديثة وفق لمعاير قانونية تستنبط من القانون الاساسي ألا وهو الدستور ، ذلك العقد الاجتماعي بين المواطنين والدولة الذي يلزم الكل بالحقوق والواجبات والمعلوم ان الدساتير تضم في طياتها حقوق الكل دون تمييز في العرق والجنس والدين والمذهب ولا بدلنا ونحن نمر بهذه المرحلة الصعبة من حياة مجتمعنا حيث تطغى عليه حالة من العنف المتبادل و إبتعد لحد ما عن جو التسامح السلمي الذي عرف به فلا بد وان نحتكم ونسير حياتنا وفقا للدستور الذي صوت عليه الغالبية الكبرى من الشعب العراقي ونسعى عمليا الى تطبيق بنودها وان لا يكون حبرا على ورق  .

 

أكد القانون الأساسي العراقي الصادر عام 1925 على مساواة العراقيين بصرف النظر عن الدين وضمن حرية الأعتقاد التامة لجميع ساكني البلد بما فيها حرية القيام بشعائر العبادة وفي الدستور المؤقت 1958 أكد على المساواة بين المواطنين دون تميز بسبب الدين وتكرر ذلك في الدستور المؤقت لعام 1968 وعليه فإن هناك قاسم مشترك بين جميع السلطات بشأن حرية العقيدة الدينية وضمان ممارسة شعائرها دون تمييز وتساوي المواطنين في الحقوق ومنع الدستور مطاردة وملاحقة اتباع الأديان والمذاهب الذين سكنو جنبا مع بعضهم في معظم انحاء البلد بل وتاكد ذلك في قانون العقوبات العراقية رقم 111 لعام 1969 حيث نص على معاقبة من يعتدي بطريقة علنية على معتقد لاحدى الطوائف الدينية او من يقوم بتحقير شعائرها ومعاقبة من خرب ودنس او أتلف اماكن العبادة او مواقع دينية .

 

وفي الدستور العراقي الجديد اشار في الفقرة ثانيا من المادة الثانية الى ضمان كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحين والايزيديين والصابئة المندائين هذا اضافة الى الحقوق الثابته للدين الاسلامي الذي اكد على انه دين الدولة الرسمي ( ونرى ان هناك نقصاً واضحاً في هذه الفقرة حيث لم يشر الى الديانة اليهودية ) ،من نظرتنا إلی هذا النص في الدستور نرى انه اعتراف صريح لحالة التنوع الديني في العراق اذا فلا بد من وجود ضوابط دستورية لحماية هذه الأديان ومذاهبها واتباعها ويشكل هذا النص اساساً للحرية الدينية وحرية المعتقد الى حرية الفرد والمجتمع ومنه يمكن فهم المساواة العملية في الحقوق والواجبات فالعراقيون متساوون امام القانون دون تمييز وهذه المساواة تؤكد حرية الفكر والعقيدة وتمنح الحق والحرية لاتباع كل دين او مذهب في ممارسة شعائرهم وطقوسهم وتتكفل الدولة حماية اماكن عبادتهم و يمكننا ان نترجم هذا النص الدستوري في حياتنا العملية اليومية ونهتدي به لأحترام الأخر ونشر ثقافة التعايش السلمي والتسامح وتفهم حق حرية المعتقد واتباع الافراد لما يؤمنون به من الأديان والمذاهب فنرسخ بذلك الجهود الموضوعية لنبذ العنف ونشر السلام والطمأنينة بين الأفراد جميعا .

 

•    اهمية الدولة المدنية والثقافية الديمقراطية في تثبيت التعايش السلمي:

قد يختلف الكثيرون حول مفهوم الدولة المدنية وان كان كلا التياران الديني والعلماني يصبوان اليه ولكن وفق مفهوميته وفلسفته الخاصة ، وفي الواقع فأن الدولة المدنية عبر تأسيسها لأجهزة سياسية وقانونية خارجة عن تأثير القوى والنزاعات الفردية او الدينية او المذهبية تكون لها القدرة على تنظيم الحياة العامة للكل فردا ومجتمعا بصرف النظر عن الأنتماء الديني والمذهبي وهو خير تعبير عن ارادة المجتمع كوحدة متكاملة غير مجزأة  و متأثرة بالنزعة الدينية السلطوية ويحظى في كنفه كل الأديان والمعتقدات والمذاهب بكافة حقوقه من دون تمييز وهي الحالة المثالية والعملية لمسايرة ما آلت اليه وضعية المجتمعات في عصرنا بعد التغيرات والتطورات البشرية التأريخية حيث وصلت المجتمعات الى مرحلة من الرقي والتطور اصبحت فيه قيادة المجتمعات وتقدمها وتعايشها الجماعي مرهونة بالدساتير المدنية التي تضمن وتصون الحقوق ، اذن لا مجال من ادارة الدولة بدون مؤسسة مدنية ودولة مدنية وفرز السلطات الثلاثة وكل يأخذ دوره الحقيقي دون التدخل ويطبق سواسية القوانين على كل فرد من افراد المجتمع وهي ما تشكل في النهاية الثقافة المدنية التي تخطط وترسم حياة الأفراد وعلاقاتهم على اساس النظام لا الفوضى وعلى السلام ولا العنف وعلى التعايش السلمي لا النبذ ونكران الأخر فتثبت القيم الأنسانية العامة وتلغى القيم الفردية المتسلطة والنزاعات المتطرفة والدينية.

اما المواطنة فهي شرط أساس لمفهوم الدولة المدنية ، المواطن في المجتمع له حقوقه وعليه واجبات ولا تفرق الدولة بين مواطنيها إلا امام القانون وتطبيق العدالة الأجتماعية وترسيخ دعائم الديمقراطية والسياسة و الأقتصاد على الجميع .

 

•   حوار الأديان والأفراد وحتمية التعايش السلمي :

ان التنوع الديني في العراق مصدر لتنوير الأفكار وتكامل الحياة من كافة الأوجه فلطالما عاشت هذه الأديان والمذاهب على مر التأريخ بجانب بعضها واحترمت المقابل ولا بد أن تتواصل هذه الوضعية وتتقدم بشكل يوازي تطور وتقدم حياة البشرية ولا بد من الاخذ بحتمية التعايش السلمي والعلاقات الودية بينها كي تحفظ لكل منها حقوقها وحرياتها اتباعا وفكرا وعقيدة ولا بد ان تثبت السلام و وسائل تطبيقها في قاموس الحياة اليومية لهذه الاديان والمذاهب ، ان الحياة البشرية بشكل عام انما هي حالة من التناقض والاختلاف وتقاطع وتضارب في الاراء والافكار وسبل تطبيقها اذا فلا بد ان يكون هناك دوما حوارا مستمرا من المتناقضات تسير امور الافراد داخل المجتمع والاهم هو الحوار الذي يجب ان يتواصل بين الاديان والمذاهب من التقارب وفهم بعضهم للاخر واحترام العقيدة المقابلة وتشجيع روح التفاهم والتسامح بينهم.

ان عقد المؤتمرات والندوات هو الوسيله الاكثر نجاحا بهذا الاتجاه حيث تلتقي النخب المتنوره والمثقفه من مختلف الاديان والمذاهب وشرائح المجتمع المدني فتتوضح حساسية و خطورةالامور الشائكه بينها فتتحاور وتخطط لتهيئة الارضية الصحية لتعايشها وتكاتفها لحماية اتباعها وحرية عقيدتها في العباده واحترام الطقوس الدينيه للمقابل وتحذير المجتمع من ماَسي وويلات الانزلاق في وهم الافكار المتشدده التي تجرنا الى نشوء الصراعات الدموية والتي تؤدي الى خراب البيوت وسقوط الالاف بل الملايين من الابرياء كضحية لهذه الممارسات والافكار الباليهَ مثلما حدث في رواندا والبوسنه وابادة الارمن وهذه دلائل على خطورة تطور الخلافات الروحيهَ لتصل الى حالة العنف الاشد وتشرخ جدران المودة والمحبة بين الاديان والمذاهب ويكون رمادهااتباعها. .

ان هذه الحاله وللأسف انما نعيشها في العراق وبدرجات متفاوته ولا يسعنا ان نذكر الاحداث المروعة التي حدثت وبالذات في بداية سقوط الطاغية والتي القت بظلالها المفزعة على طبيعة العلاقات الودية بين اتباع الديانات والمذاهب فنشر الرعب بينهم الى حد الفزع من طبيعة الاسم الشخصي والهوية الدينية والمذهبية التي راح ضحيتها مئات الالوف من العراقين ناهيك عن الاضرار والاعتداءات على دور العباد والاماكن المقدسة فكان الخراب العام للمتلكات والاثار والموروثات وغيرت طبيعة العلاقات الاجتماعيه واصبحت هناك حساسية مفرطة في الحديث عن الاديان والمذاهب داخل المجتمع بل و وصلت الى قاعة البرلمان ومؤسسات الدولة وهي مايخيفنا ويخلق ضباباُ قاتماً على مستقبل اوضاعنا وطبيعة التعايش السلمي الذي اعتاده هذا المجتمع على الرغم من الخلافات والحالات الفردية التي كانت تحدث على ارضية اختلاف العقيدة واصبح اتباع الاديان والمذاهب ضحايا لهذا الوضع المأساوي الجديد الغريب فلا بد اذا من الحوار لكي نصل الى حالة اتفاق وتفاهم لاعادة زرع الثقه بين الاديان والمذاهب ونبذ العنف ونشر فكرة العدالة والمساواة للجميع واحترام دور العبادة ورجال الدين والتأكيد على حرية العقيدة والعبادة وترسيخ حقيقة ان الدين لله والوطن للجميع وعليه يجب ان نسكن ونتعايش جميعا معا بسلام وهدوء.

  

•   لماذا وكيف نتعايش سلميا ؟

لقد اصبحت المناداة لاعادة مناخ روح التعايش السلمي والعلاقات الوديه بين الأديان والمذاهب في العراق امراً حتمياً لتلافي الويلات والمستـقبل الضبابي للحياة وتأثيراته المأساوية على اتباعها , ان الوضع الحالي ينذر بمستقبل خطر للعلاقات الودية التي كانت شائعة بين الاتباع ولها تاثير واضح على حرية العبادة وممارسات الشعائر الخاصة بالمذاهب وهي تجرنا الى مزيد من الازمات والقلق على حياة المجتمع الذي سيكون له تبعيته الخطرة على الوضع العام للبلد وسيمتد تاثيره السلبي على العلاقات السياسيه الاجتماعية ومسيرة بناء الوضع الديمقراطي ضمن المجتمع المدني ذلك المجتمع الذي يعيش في كنفه الكل سواسية دون تمييز جنس وعرق ودين ومذهب , ستؤثر نتائج هذا التشذرم والتفكك وعدم احترام العقيدة المقابلة الى تدمير كل ماسعى اليه ابناء هذا البلد لبناء وطن ودولة حديثة يعيش في ظلها الانسان كريما متمتعا بحقوقه المشروعة وحريته في التعبير عن رأيه وعقيدته الدينية والمذهبية ويؤدي بدوره الى تدمير البلد اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا وقتل التجربة الديمقراطية التي كان الشعب العراقي بأوج الحاجة لها بعد ان عاش عقباً من الزمن في ظل نظامه الدكتاتوري اذا فلا بد أولا واخيرا ان نركز على حالة التعايش السلمي وتهيئة مناخ العلاقات الودية بين الاديان والمذاهب لكي تعود ثقة اتباعها ببعضها وتزول أغشية الرعب والفزع في أعتناق العقيدة التي يؤمن بها اتباعها ،فعلينا إذآ ان ندرك اهمية نشر وعي ثقافة التسامح الديني لما يتركها من اثر جوهري في الواقع الاجتماعي العام كونه ضروره تهيء فضاءا ايجابيا لخلق اجواء ومناخ اوفر للحريات الدينية وتنتج استقراراً حقيقياُ لمجتمع آمن نشط بعيدا عن ازمات الصراعات والاقتتالات الطائفيه والدينيه والمذهبيه ،ان استيعاب نشر ثقافة التسامح الديني انما ينصب في الاتجاهات الايجابيه الاخرى التي تنطلق من حقيقة الوجود والتعايش التي الزمت ان يكون المجتمع الانساني في شكل تجمعات بشرية وهي ان اتفقت على الحياة المشتركة والحرص على البقاء والرغبة في السعي لاقامة التمدن والعمران باتجاه الارتقاء والتقدم فانها ستؤمن بحقيقة ماتنفرد به كل مجموعة من خصوصية عرقية ودينية وثقافية وستحمي في ظلها الحقوق للاتباع والافراد سواسية وبشكل عادل ضمن قانون ودستور مدني.

ان التعايش هو ضرب من التعاون يقوم على اساس الثقة والاحترام المتبادلين ويهدف الى تحقيق غايات يتفق عليها كافة الاطراف التي ترغب في التعايش فتحمي بذلك افرادها واتباعها ولا بد من التاكيد ان التعايش لايعني تمييع المواقف وخلط الاوراق ومزج العقائد وتذويبها وصبها في قالب واحد حتى وان بدى ذلك في قالب انساني او وطني لان افراد واتباع العقائد لايقبلون بالخلط الغامض والافراط بخصوصياتهم وقيمهم بل ان التعايش هو ان يحتفظ كل طرف بدينه ومذهبه كاملا على اساس التفاهم والاحترام المتبادل والرغبة في التعاون لخير الانسانية ومن هذا المنطلق يمكن ان نتعمق في اتجاه البحوث العلمية للوصول الى نتائج تدعم اسس التعايش الودي ،ان مايشجعنا في لقاءاتنا عبر هذه المؤتمرات والندوات هو ان اكثر الاراء من كافة الاديان والمذاهب والشخصيات الفكرية والثقافية المؤمنة بالمبادئ الديمقراطية تتفق على اهمية سيطرة لغة العقل والمنطق على لغة التعصب , التي تهدد حياة مجتمعنا ويرون ان توحيد الجهود للتثقيف العملي المستند الى الايمان بأهمية التعايش السلمي لمحاربة التعصب الديني والمذهبي والطائفي هي الضمانة العملية لحماية حرية الايمان واختيار العقيدة والمذهب وصيانة كرامة وحقوق اتباعها .

وهنا نرى انه لا بد من نشر تلك القيم بوسائل حديثة مقنعة و أن نبتعد عن الطرق التقليدية التي لا توازي و حالة التطور الحاصل في وسائل التکنولوجيا و المفاهيم العصرية.

انه من الاجدر ان نراجع ونستمد من التجارب و الاحداث التي مرت بها المجتمعات والبلدان الاوربية والتي شابهت في كثير من مفاصلها ظروفنا من تجارب و ندرس كيف ان علماءها ومثـقـفيها قد خططوا لاصلاح المجتمع وانهوا التناحر الديني والمذهبي وخففوا اشكال التعصب وبنوا المجتمع المدني حاملا القيم الديمقراطية التي ضمنت الحياة والحقوق والواجبات وبشكل عادل للكل وامنوا حياة امنة متطورة يحترم فيها الانسان بعضه للاخر في حريته في أختيار العقيدهةوالدين والمذهب .

لبث افكار التسامح لا بد لنا ان نعتمد على عقد المؤتمرات وماشابهها من الندوات الثقافيه وتغذيتها بالبحوث والاراء العلمية المختلفة وأن تخرج بتوصيات وخطط عمل قابلة للتطبيق وعلينا ان نعتمد على المعاير الإجتماعية الحديثة لترسيخ الحياة المدنية الديمقراطية ونلجأ الى الفن والادب لنشر ثقافة التقارب والمحبة وندعم البرامج الثقافية التي تسعى الى نشر قيم المجتمع المدني وندعم الشباب والنساء عبر جهودهم الفنيه ومشاريعهم الداعمه للتسامح والود بين اتباع الديانات اذا فلا بد من وجود خط تواصل مدني روحي لنشر مفهوم اهمية التعايش السلمي وترسيخ روحية العلاقات الودية بين الأديان والمذاهب لحماية اتباعها والدفاع عن الحريات الدينية ، ولوزارة التربيه والتعليم العالي ووزارة الثقافه دور هام لزرع روحية إحترام المقابل و بدون إنحياز من خلال الاعلام والكتاب ونتعامل وفق فصل الدين عن الدوله الدين للافراد والدوله للجميع . ولابد أن تخرج المٶتمرات المنشودة بتوصيات لدعم الجهود المبذولة لأصدار قانون دولي يمنع فيه سياسة تغيير الدين والعقيده كرها وتجريم من يخالف المبدأ .

وختاما للوصول للهدف المنشود علينا أن نعرف التعايش السلمي ووسائل التعامل بمبادئه واسسه ونحدد اهدافه وفقا للمعطيات المنطقية لظروف بلدنا وتألقمه مع الجو الانساني العام.


  عدد زوار: 28498      تاريخ: 22/01/2013
زیاتر ...
الغزو المغولي لكُردستان ...
دور النخبة السياسية في التحديث السياسي...
مكانة روجير بيكون في الفكر الأوروبي...
مشكلة النفس الإنسانية عند افلوطين...
مفهوم المساهمة الجنائية في الجريمة...
مفهوم الضرورة في الفقه الدستوري المعاصر...
التنظيم القانوني للمجال الجوي لإقليم كوردستان...
أزمة الاندماج في الولايات المتحدة الأميركية...
اتفاقية التعاون بين فرنسا و إقليم كوردستان ...
الهويّة السوريّة: بين العروبة والاستعراب (دراسة تاريخية)...
القيم الأخلاقية في العمل الإعلامي ...
العلاقة بين تاريخ العلم وفلسفته... دراسة تحليلية نقدية...
البعد الإستراتيجي لعواصف التحولات في الشرق الأوسط...
الأدوار السياسية للفكرالإقتصادي المهيمن...
التهجير القسري والصهر القومي ...
المشاركة السياسية والبيئة الدستورية في الولايات المتحدة الأمريكية...
السطات الثلاث في القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية...
كرد الأردن - الجزء الثاني ...
الحتمية واللاحتمية في فلسفة العلم عند كارل بوبر...
أشكال البرامج للإذاعة الرقمية - قراءة وصفية...
دراسة نظرية في مفهوم الإعلام المتخصص...
مفهوم الجرائم ضد الإنسانية في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية...
هيدغر و اشكالية تأويل العمل الفني...
الحوار الإسلامي - المسيحي: قراءةٌ في الماهيّة والأهداف...
العلاقات الصينية – الهندية وأبعادها الدولية والإقليمية ...
أهم الحروب التي خاضها أهالي العمادية (ئاميدي) ...
كوردستانية خانقين حقيقة يبصم لها التاريخ...
الثورة الكوردية في الصحافة السوفيتية...
مرور ربع قرن على إرتكاب جرائم الإبادة - الأنفال ...
الكرد في كازاخستان...
پانوراما كُردستانية في عهود الإسلام السياسي...
كرد الأردن - الجزء الأول ...
واقع التنوع الاقتصادي في اقليم كردستان العراق...
تشظيات الواقع الكردي في روايات سليم بركات...
فلسفة اللغة عند الفارابي " كتاب الحروف أنموذجاً " دراسة تحليلية ...
الأهمية البالغة للمعايشة الودية بين اتباع الديانات والمذاهب ...
إستراتيجية التنمية الوطنية الشاملة في العراق وإقليم كردستان...
من التنويـــر الأوربي إلى استبداد الليبرالية الجديدة...
نموذج الدولة - الأمة التقليدي ...
كركوك بين الكرد و الحكومات ...
تنمية دور الشباب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي...
مفهوم الديمقراطية...